ملا محمد مهدي النراقي
473
جامع الأفكار وناقد الأنظار
ذلك ، إذ الصادر منه - تعالى - ليس إلّا اعطاء الوجود وهو خير . غاية الأمر وجوب العوض عليه - تعالى - لو أصاب شرّه مظلوما - كما هو مذهب العدلية - . ثمّ لو كان صدور الشرّ عن ذلك الشرير بالقدرة والاختيار لا من قبيل فعل الطبائع فما ذكرناه يكون ظاهرا جدّا . نعم ! لو لم يجعلوا اهرمن معلولا ليزدان بل واجبا لذاته لكان كفرا ، إلّا انّه خلاف ما صرّحوا به . وأيضا لو قالوا : انّه - تعالى - لا يقدر ذاته بذاته على ايجاد تلك الشرور بلا واسطة لكانوا أيضا من المخالفين في عموم القدرة ، لكن ذلك أيضا لا يظهر من كلامهم . نعم ! لو كان مرادهم بأهرمن هو الشيطان - كما هو المشهور منهم - لم يصحّ نسبة جميع الشرور إليه ؛ إذ لا شكّ في وجود شرور لا يمكن استنادها إليه . فالحقّ انّ الشرور مستندة إلى الممكنات الّتي هي مبادي لها - سواء كان شيطانا أو نارا أو غيرهما - . فقولهما بالتخصيص تحكّم باطل ؛ هذا . وقيل : يمكن أن يكون مراد المجوس من « اليزدان » : الوجود الواجبي ، ومن « الاهرمن » : الامكان ؛ ويرجع قولهم إلى انّ فاعل الخير هو الوجوب وفاعل الشرّ هو الامكان . فانّك قد عرفت انّ الخيرات كلّها راجعة إلى الوجود ومنبع الوجود هو الواجب - تعالى - ، والشرور كلّها راجعة إلى العدم ومنبع العدم هو الامكان ، وحينئذ لا يلزم شرك أصلا . لأنّ الشرك انّما يلزم لو كان كلّ من المبدءين موجودا ومؤثّرا في الوجود ، / 104 DA / ولكنّه ليس كذلك ؛ بل أحدهما موجود مؤثّر في الوجودات - وهو الواجب تعالى - والآخر عدمي منشئا للأعدام - وهو الامكان - . غاية ما في الباب أن يكون اطلاق المؤثّر والفاعل على العدم الّذي هو الامكان على التجوّز - كما يقال : علّة العدم عدم علّة الوجود - ؛ انتهى . وأمّا المانوية والديصانية وإن كان ظاهر كلامهم دالا على تحقّق مبدءين - كما عرفت - إلّا أنّه لمّا كان ظاهر كلامهم ممّا لا يقول به عاقل - وقد صرّحوا أيضا بأنّ النور الّذي هو فاعل الخير حيّ عالم سميع درّاك - أوّل جماعة كلامهم بأنّ مرادهم من النور هو الوجود ، ومن الظلمة هو الامكان حتّى يؤول مذهبهم إلى أنّ فاعل الخير هو الوجود الواجبي وفاعل الشرّ هو الامكان ، لما مرّ من أنّ الخيرات كلّها راجعة إلى